الشيخ فرحان السعدي

                                         

ولد الشيخ فرحان السعدي في قرية نورس قضاء جنين في عام 1860م؛ حيث تلقى التعليم الابتدائي في قريته ثم في مدينة جنين، انتمى في بواكير عمره للطريقة السعدية واهتم بأورادها وأذكارها، وحفظ القران الكريم والأحاديث النبوية؛ ولذلك عرف بالشيخ، وتعتبر عائلة السعدي من العائلات الكبيرة في المنطقة، والتي كانت تسكن في قريتي المزار ونورس، عمل مع والده أحمد الشيخ إبراهيم السعدي في الزراعة، وكان محباً لركوب الخيل والصيد، وكان ذا روح أبية وثابة، دعته للتمرد على الحكومة العثمانية قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، فاستدعاه متصرف لواء نابلس وعرض عليه أن ينخرط في صفوف الجاندرمة، لاقى هذا العرض موافقة من الشيخ، الذي عمل فيها بجد وإخلاص، وبما يحمله من همة وعزيمة. وبعد أن وصل جمال باشا إلى فلسطين؛ خرجت قوة من الجاندرمة لاستقباله، فلفت نظر جمال باشا فروسية الشيخ فرحان ورقاه إلى رتبة أومباشي وأرسل إليه والي بيروت كتاب شكر، وبعد الاحتلال الإنجليزي لفلسطين، اشتغل بالتجارة، وفي نفس الوقت كانت تضطرم بين جنبيه نار الثورة ومواجهة المحتل ؛ فما أن كانت ثورة عام 1929م، حتى كان قائداً على رأس مجموعة من المقاتلين في منطقة جنين، وبدأوا بمهاجمة الأهداف الإنجليزية والصهيونية في المنطقة، ولم يلبث الشيخ حتى ألقت القوات الإنجليزية القبض عليه، وحكمت عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، لم تخبُ نار الثورة فيه خلالها؛ فما أن أطلق سراحه؛ حتى التقى بالشيخ عز الدين القسام في مدينة حيفا، فلزمه ؛ متلقياً عنه العلم، وأصبح الساعد الأيمن اللشيخ عز الدين القسام. إلّا أن هذه الملازمة لم تجعله يحظَ بالتواجد معه  أثناء مداهمة قوات الاحتلال الإنجليزي للقسام، بالقرب من بلدة يعبد. طبقاً لما أفاد به أعضاء مجموعة القسام الأسرى بأن الشيخ فرحان كان قد تركهم قبل عدة أيام من وقوع المواجهة بين القسام ورفاقه وبين الاحتلال الإنجليزي.

حاولت قوات الاحتلال الإنجليزي تتبع أثره واعتقاله وكثفت الجهود في ذلك، ولكنها بائت بالفشل، فقد كان الشيخ فرحان يختفي في الجبال، ولا يقيم في مكان واحد لفترة زمنية طويلة. وأفضت مطاردة الإنجليز المحتلين  الحثيثة للشيخ إلى خروجه من فلسطين نحو الحجاز؛ فلم يُقم فيها طويلاً، ونفسه تنازعه العودة لميدانه الأول فلسطين. وهكذا عاد الشيخ السعدي لى فلسطين؛ حيث حنينه، وشوقه الأول، ولمتابعة مقارعة الاحتلال، ومواجهة مشاريعه في تمكين الصهيونية واليهود من فلسطين. وهكذا أصبح الشيخ فرحان مطارداً للاحتلال ثانية ، والذي كان يحمّله مسؤولية الهجمات التي كانت تقع على المستعمرات الصهيونية في منطقته.

كان للشيخ شرف إطلاق الرصاصة الأولى وفي الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936م؛ كان للشيخ فرحان شرف إطلاق الرصاصة الأولى فيها، وقام وهو ومجموعته بمهاجمة قافلة صهيونية على طريق نابلس طولكرم، وقد أصبح قائداً للثورة  في منطقة جنين. لم يتزعزع الشيخ، ولم تلن له قناة، فبقي هامة عالية، يعتلي صهوة جواده، بكل بسالة وثبات. يخوض المعارك والمواجهات الكثيرة، التي أقضّ بها مهاجع المحتل، مما جعله الهدف الأول الذي يبحثون عنه بكل ثمن.  وفي مواجهة عنيفة في معركة عين جالود، أصيب الشيخ فرحان السعدي، وسقط عن جواده، فبقي يقاوم مقاومة شديدة رغم جراحه، واستطاع الانسحاب والافلات من بين يدي المحتل، مع بعض من رفاقه.

 

الأسر

في تاريخ 22 من تشرين الثاني 1937 م، وفي الساعة الرابعة صباحاً  وصلت مدير بوليس الاحتلال في نابلس من بوليس جنين معلومة تفيد بوجود الشيخ فرحان السعدي مع بعض مرافقيه في قرية المزار التي تبعد عن مدينة نابلس نصف ساعة، وعلى الفور تحركت قوة كبيرة من الاحتلال وعلى رأسها حاكم نابلس العسكري، ومدير البوليس وكبار الضباط الإنجليز والعرب؛ الذين كانوا في صفوفهم. ضمّت القوة 40 سيارة منها 3 مصفحات وقامت ثلاث طائرات بمرافقتها؛ متجهين إلى قرية المزار؛ حيث يختفي الشيخ الجريح، وفُرض حصاراً شديداً على القرية وسدت منافذها، ومنع الخروج منها أو الدخول إليها،  وحلقت الطائرات في سماء القرية قريبة من أسطح المنازل، في الوقت الذي بدأ الاحتلال فيه باجتياح القرية وتمشيطها. بحثاً عن الشيخ ورفاقه،  وقد طلب حاكم نابلس العسكري من مختار القرية تسليم السعدي ورفاقه، حفاظاً على حياة المدنيين.

كان الشيخ السعدي يختفي في بيت ابن عمه بمعيته رفاقه في السلاح، وقام مختار القرية بنقل رسالة المحتلين له ولرفاقه، وبعد مداولات طويلة، غلّب الشيخ أمن المدنيين ومصلحتهم، على أن يقاوم فيستشهد أو ينجو مع رفاقه من طوق المحتل،  فوافق الشيخ على تسليم نفسه حرصاً على أرواح أهل القرية وحماية لها من التدمير، تقدمت قوات الاحتلال العسكرية، محاصرة المنزل، ليضع السعدي يديه في الأسر مع ثلاثة من رفاقه وهم: أحمد محمد السعدي من قرية المزار وأحمد حسين القاسم من قرية جلقموص وحسن محمد حسين من قرية البطيمة قضاء غزة.

كان الشيخ فرحان يبلغ 75 عاماً عند اعتقاله طويل القامة، أبيض الشعر، ورغم تقدم سنه، كان دم الرجولة ظاهراً على محيّاه؛ يحسن استخدام السلاح  وإصابة الهدف بدقة كبيرة. ولعل الشيخ  وهو في هذه السن كان يرنو أن يتوج عمره المديد في مقارعة الاحتلال، بشهادة على أعواد المشانق،  وأن يضع عصا الكفاح والنّوى في الجنة، بصحبة الشهداء والنبيين، شوقاً إليها وإليهم.

اقتادت قوة الاحتلال الشيخ ورفاقه في الأغلال، وقد صادروا منهم أربعة بنادق وخمس مسدسات و500 مشط فشك وسبع قنابل يدوية.  وقاموا بتفتيش القرية وألقوا القبض على 10 أشخاص من أهل القرية وخمسة آخرين من خارج القرية، وبقيت قوات الاحتلال تحاصر القرية حتى مساء ذلك اليوم الذي استقر فيه الشيخ ورفاقه سجن عكا.

حاول المحققون في قوات الاحتلال معرفة  بقية أفراد مجموعة الشيخ فرحان السعدي، الذي رفض الإدلاء بأي معلومات تفيدهم، وواجههم بكل شجاعة وثبات بمسؤوليته الشخصية عن كل الهجمات التي تعرضوا لها في المنطقة.

البلاغ الرسمي

وقد أذاع مكتب مطبوعات حكومة الاحتلال في الساعة التاسعة من مساء ذلك اليوم البيان الاتي:

“طوق الجند والبوليس ليلة 21-22 الجاري قرية المزار التي تقع على بعد 9 كم شمال شرقي جنين وفتشوها وقبض على الشيخ فرحان السعدي وثلاثة آخرين وعثر على أربع بندقيات و1500 عيار ناري وبضعة مسدسات، وسيحاكم الشيخ فرحان مع الثلاثة الاخرين أمام المحكمة العسكرية في حيفا يوم الأربعاء الواقع 24 تشرين الثاني”.

المحاكمة

كانت المحكمة العسكرية التي ستحاكم الشيخ فرحان برئاسة الماجور “فوكس” وعضوية اللفتنت لندل عضو اليسار والكابتن نورتهل وهو عضو اليمين وسمح بالدفاع عن الشيخ  ـ كإجراء بروتوكولي ـ من قبل المحاميان : محمود الماضي ويوسف صهيون وقد زارا الشيخ في سجن عكا واخذا منه توكيلاً بالدفاع عنه.

ف في يوم المحاكمة، فرضت قوات الاحتلال إجراءات مشددة في المدينة، حيث نشرت الجنود لحراسة الطرق المؤدية الى المحكمة وقامت بتسيير الدوريات حولها ومنعت الأهالي من الاقتراب من المحكمة، كما سمحت للصحفيين بحضور المحاكمة الذين فتشوا تفتيشاً دقيقا ومنع بعضهم من ادخال ألات التصوير ،وشهدت المحاكمة اهتماماً كبيراً من ممثلي الصحافة العالمية الذين نقلوا وقائع المحاكمة، حيث كانت سمعة الشيخ ومقارعته للاحتلال قد انتشرت خارج البلاد أولاً ولأن المحكمة العسكرية التابعة للاحتلال البريطاني تعقد لأول مرة في فلسطين بعد أن أسست في 18 من تشرين الثاني1937م، ولقد حاول أحدهم التقاط صورة للشيخ إلّا ان الأمن اإنجليزي منعه وصادر آلة التصوير الخاصة به.

بعد الساعة الثامنة صباحاً بقليل جاءت سيارة عسكرية تنقل الشيخ السعدي برفقة عدد آخر من سيارات الحراسة، وأنزل الشيخ من السيارة  يمشي بخطوات ثابتة مرفوع الهامة، حاد النظرات، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، وكانت آثار التعب والإرهاق بادية على محيّاه الكهل، والقيود الحديدية تثقل ييديه  ورجليه، يسير أمامه  ثلة من الجنود الانجليز إلى داخل قاعة المحكمة.

مثل الشيخ في قفص الاتهام كالأسد الهصور، طويل القامة ، أسمر الوجه، تلمع عيناه السوداوان، مرتدياً زيّه الفلسطيني قمبازاً أبيضاً مائلاً إلى الصفرة مقلماً بأقلام عريضة سوداء، وكان يرتدي فوق القمباز، جاكتة زرقاء اللون واسعة الأكمام، على حواشيها تطريز بالحرير الأسود، وفوق الجميع عباءة نجدية صوفية رقيقة حمراء، يتدثر بها وعلى رأسه كوفيّة بيضاء نقية، تغطي الجزء الأكبر من جانبي وجه، وتظهر من تحت هذه الكوفية لحية كثة بيضاء، تتخللها بعض الشعرات السود اللامعة، وكان الشيخ صامتاً طوال المحاكمة التي امتدت لساعتين، ثابت الجأش، قوي الشكيمة، صابراً لا يتأوه أو يتذمر، ويقف بجانبه جندي شاهراً سلاحه  .

بدأت جلسة المحكمة بتوجيه الاتهام للشيخ بحيازة السلاح الناري واستخدامه في مواجهة القوات الإنجليزية، بحسب قانون الدفاع المعدل لعام1937م وطبقاً لهذا، قال رئيس المحكمة  ـ موجهاً الكلام للشيخ ـ ستجري محاكمتك امام محكمة عسكرية. وعندما سأل رئيس المحكمة الشيخ : هل أنت مذنب أو غير مذنب. أجاب الشيخ بكل شجاعة: غير مذنب.

 

فأحضر الشاهد الأول، وهو ضابط إنجليزي من الذين شاركوا في أسر الشيخ فأدلى بشهادته للمحكمة ت عن كيفية اعتقال الشيخ، وما كان يحمله من أسلحة، وأحضر شاهداً آخر يعمل جاويشاً  من فرقة أيسكس هامشيرز حيث تحدث عن كيفية اعتقال الشيخ وما كان يحمله من سلاح،  وبعد إخلاء المحكمة من أجل التداول بين أعضاء المحكمة لإصدار الحكم عادت المحكمة للالتئام، بعد أن كانت قد رفضت طلباً للدفاع بتأجيل المحكمة من أجل إحضار الشهود. وفور استئناف جلسة المحكمةأعلن رئيسها أن المحكمة وجدت الشيخ فرحان السعدي مذنباً وقد حكمت عليه  بالإعدام شنقاً حتى الموت، ولا ينفذ هذا الحكم الا بعد مصادقة القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن. ولما قام المترجم بترجمة قرار المحكمة، تلقى الشيخ الحكم منتصب القامة، لم يرجف له جفن.

صادق القائد العام للجيوش البريطانية على الحكم وأن يكون التنفيذ  يوم السبت 27 تشرين الثاني من العام 1937م؛ أي بعد خمسة أيام فقط من أسره، حيث نفذ الحكم بإعدام الشيخ شنقاً في تمام الساعة الثامنة صباحاً في سجن عكا وكان الشيخ صائماً رابط الجأش مردداً الشهادتين، ورفض وضع قناع على وجهه أثناء تنفيذ الحكم، ونقل جسده الطاهر إلى قريته حيث دفن فيها بجانب قبر النبي يوشع حسب وصيته، وشارك في مراسم التشيع عدد كبير من أهالي المنطقة بعد الصلاة عليه في مسجد القرية، حيث تقدم المصلون لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، ومن ثمّ ووري الثرى الساعة الثالثة بعد الظهر في الديار التي شهدت جولاته وصولاته ومقارعته المحتلين.

وصية الشيخ

نقلت صحيفة فلسطين وصية الشيخ فرحان السعدي المكتوبة بخط يده والمختومة بخاتم السجن المركزي في مدينة عكا:حيث جاء نصها، مختصراً، مشبعاً بالعزة والإيمان والصبر والثبات:

“بسم الله الرحمن الرحيم: إلى ولدنا عبد الله- أوصيك باحترام أمك، ودير بالك على أشغالك، ويجب أن يكون قبري قرب قبر النبي يوشع، وأسباب وفاتي معلومة للجميع، يا ولدنا عبد الله أرض على إخوانك من بعدي وخليهم يسامحونا…..

أخي الحاج نمر:

أوصيك بأولادنا، وخلوا سعيد الشيخ سلمان يكون موجوداً بالدار عند العيال، لعندما يكبروا وأوصيك بعدم البكاء.

أخي سعد العلة:

أوصيك بمراقبة ولدي عبد الله وأحمد مع أخي الحاج نمر وأولاد عمنا، بلغوا سلامي إلى عموم أهل نورس وأهل المزار، والتقوى خير وأبقى.

الإمضاء:  راجي عفو الديان عبده فرحان السعدي 26/11/1937م.”

ترك الشيخ بعد استشهاده زوجتين وولدين هما عبد الله (14) وأحمد (8) وخمس بنات وهن ظريفة (24) عليا (20) وخديجة (15) وفريدة (14) وزهدية (12

 

 

ردود الأفعال في فلسطين

شهدت مختلف المدن الفلسطينية بعد وصول أنباء إعدام الشيخ فرحان السعدي إضراباً شاملاً، حيث شهدت مدينة الخليل ونابلس وعدة مدن مظاهرات هتفت للشيخ، وأطلق المجاهدون النار على عدد من المستعمرات الصهيونية وهاجموا عدداً من مراكز البوليس، وأقيمت صلاة الغائب على الشيخ في مساجد فلسطين، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، وشهدت دمشق وبيروت وبغداد إضراباً، احتجاجاً على إعدام الشيخ فرحان السعدي.

المصادر والمراجع:

مصطفى الدباغ، بلادنا فلسطين، جزء 4، ص211-212.

الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، مجلد 3، ص 440-441.

جريدة فلسطين، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 226-3692.

جريدة فلسطين، يافا، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 227-3692.

جريدة فلسطين، يافا، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 228-3692.

جريدة فلسطين، يافا، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 229-3692.

جريدة فلسطين، يافا، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 230-3692.

جريدة فلسطين، يافا، 1937، تشرين الثاني، العام 21، 231-3692.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1013.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1014.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1015.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1016.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1017.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1018.

جريدة الدفاع، يافا، 1937، تشرين ثاني، السنة الرابعة، عدد 1019.