مجزرة صبرا و شاتيلا

مجزرة صبرا وشاتيلا

مقدمة

بدأت المؤامرة على الفلسطينيين العزل في لبنان بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية والفدائيين أواخر آب 1982 إلى الأردن والعراق وتونس واليمن وسوريا والجزائر وقبرص واليونان، بانسحاب القوات متعددة الجنسيات قبل عدة أيام: الاميركية في 10 أيلول 1982، والايطالية في 11 ايلول، والفرنسية في 13 ايلول، انسحبوا قبل موعدهم الرسمي بعشرة ايام رغم وجود ضمانات اميركية واتفاق فيليب حبيب، بعدم دخول الجيش الاسرائيلي لبيروت الغربية، وضمانة حماية المدنيين الفلسطينيين وعوائل الفدائيين الذين خرجوا من بيروت.

بحسب زعم رفائيل ايتان هو “تطهير المخيمات من الارهابيين”، وبذريعة وجود ألفي فدائي فلسطيني، فيما لم يعثر على جثة فلسطيني واحد مسلح.

مخيم صبرا

المجزرة الأكثر بشاعة في تاريخ القضية الفلسطينية ارتبط اسمها بمخيّمين للاجئين في لبنان؛ أحدهما صبرا والآخر شاتيلا، فالأول يعدّ حياً تابعاً إدارياً لبلدية “الغبيري” في محافظة جبل لبنان، يطلق عليه اسم “صبرا”، جنوبي العاصمة بيروت، ويجاوره مخيم شاتيلا.

“صبرا” حيٌّ للاجئي فلسطين المُهجّرين من ديارهم هرباً من انتهاكات الجيش الإسرائيلي، التي سبقت نكبة فلسطين سنة 1947، وتسكنه نسبة كبيرة من الفلسطينيين، وعلى الرغم من ارتباط اسمه باسم شاتيلا، ما يولد انطباعاً بكونه مخيماً، فإنه لا يعد تجمّعاً رسمياً للاجئين.

في المخيم شارع كبير يمرّ من قلب الحيّ، يُسمّيه اللاجئون “صبرا”؛ تيمّناً بكنية إحدى العائلات التي تسكنه، ومن هنا جاءت التسمية، فالشارع يبدأ في حي الدنا بمنطقة الطريق الجديدة ببيروت، ويمرّ بساحة صبرا وسوق الخضار الرئيسي، وينتهي عند مدخل مخيم شاتيلا، ويُسمى الشارع في المسافة بين ساحة صبرا وشاتيلا بآخر شارع صبرا.

مخيم شاتيلا
مخيم صبرا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمخيم شاتيلا، الذي يعدّ مخيماً دائماً للاجئين الفلسطينيين، أسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949؛ بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفّقوا إليه من قرى أمكا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين.

فبعد مرور شهور على النكبة، ولما ازدادت الحاجة إلى وجود أمكنة للسكن، تبرّع سعد الدين باشا شاتيلا بأرضٍ له، تُعرف منذ ذلك التاريخ حتى اليوم بمخيم شاتيلا، جنوب العاصمة اللبنانية بيروت.

أرض المخيم نصفها مؤجَّر من قبل الأونروا، والنصف الثاني ملك لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمخيم معروف بأنه المكان الذي حصلت فيه مذبحة صبرا وشاتيلا، في سبتمبر 1982، إضافةً لأحداث الحرب الأهلية اللبنانية عام 1982، وحرب المخيمات بين عامي 1985 و1987.

مساحة المخيم لا تزيد عن كيلو متر مربع، ويسكنه أكثر من 12 ألف لاجئ، ليكون من أكثر المناطق كثافة بالسكان، ويحتوي مدرستين فقط، ومركزاً طبياً واحداً، ويعاني المخيم ظروفاً صحية وبيئية سيئة جداً؛ فالمساكن رطبة ومكتظّة، والعديد منها تحتوي على قنوات تصريف مفتوحة.

الاحداث

يوم الخميس 16 أيلول/سبتمبر 1982، شاهد سكان المخيم القنابل المضيئة في السماء، وكان هدف هذه القنابل التي أطلقتها قوات الحصار الإسرائيلية، إنارة الطريق للقوات التي ارتكبت المجزرة والتي تشكّلت من “القوّات اللبنانية” بالدرجة الأولى، وانضم إليها أفراد من جيش “سعد حداد” والذي شارك بالعملية بقوات “لبنان الحر”، وقد تعرّف الشهود على هؤلاء من خلال لهجتهم الجنوبية والشارات التي كانوا يضعونها على بدلاتهم العسكرية، وقد قدّر مجموع القوات المهاجمة بنحو 400 مسلح في ذروة المجزرة. وقد وضع على رأس هذه القوّات إلياس حبيقة (وزير لبناني سابق اغتيل في 24 يناير/ كانون الثاني 2002 والذي كان أحد قادة “القوات اللبنانية”.

ويروي شهود ممن كانوا في المخيم أن إحدى الدبابات الإسرائيلية تقدمت مسافة أمتار داخل المخيم عبر الشارع الرئيسي فيه، وقد فسّر ذلك على أنه محاولة لمعرفة ما إذا كان هناك مقاومة في داخله لكن الدبابة عادت أدراجها من دون أن تتعرض لأي إطلاق نار. وهكذا كانت الأرضية قد أعدّت جيداً لدخول “القوّات اللبنانية” إليه، وبالفعل فقد تحركت قوة من 150 مسلحاً كانت تجمعت في مطار بيروت باتجاه الأوزاعي ومن هناك إلى ثكنة “هنري شهاب” التابعة للجيش اللبناني حيث كانت تتجمع “القوات اللبنانية”، وإلى الشمال قليلاً من الثكنة كان الإسرائيليون قد أقاموا مركزاً للرصد والمتابعة، علماً بأن هذا المركز يبعد نحو 200 متر من مخيم شاتيلا حيث كانت ترتكب المذبحة.

بداية المجزرة

بدأت عمليات القتل في الساعة الخامسة والنصف تقريباً وتركزت في أطراف المخيم، إذ قام المهاجمون بقتل كل ما يتحرّك من دون أن يدخلوا إلى أزقة المخيم، وبذلك بدأت المجزرة التي استمرت لنحو ثلاثة أيام تقريباً ولم يتم التمييز فيها بين لبنانيين وفلسطينيين وسوريين ومصريين وسودانيين، ولا حتى أبناء جنسيات عربية وأجنبية أخرى صودف وجودهم في المكان. وكان بين المفقودين، بحسب أمنون كابليوك، تسع نساء يهوديات كنّ قد تزوجّن من فلسطينيين خلال فترة الانتداب البريطاني لفلسطين وقد تبعن أزواجهن إلى لبنان أثناء نزوح سنة 1948. وكانت الصحف الإسرائيلية نشرت عقب المجزرة أسماء 4 منهن.

كان المهاجمون يحطمون أبواب البيوت ويقتلون من في داخلها من دون أن يقولوا شيئاً، فقد كانوا يطبقون خطة محكمة تمّ وضعها بهدف القتل لا غيره، وبحسب ناجين من المجزرة فإن المسلحين لم يكتفوا بالقتل بل قاموا باغتصاب الفتيات ومارسوا عمليات نهب وسرقة، وكانوا يقطعون معاصم النساء المقتولات لنزع الحلي من أياديهن.

تروي شهادات الناجين كيف قضى المسلحون على كل شكل للحياة في المخيم، فالأطفال حتى الرضع منهم، لم يسلموا من القتل، بُقرت بطون النساء الحوامل وأخرجت الأجنة منها، بعض المشاهد تجسّد الوحشية التي مارسها المهاجمون إذ كانوا يتراهنون على جنس المولود بعد قتلهم لإمرأة حامل.

في هذه الأثناء، وفي الوقت الذي كانت تسير فيه المذبحة كما هو مخطط لها، لم يفلح بعض الهاربين من شاتيلا في إقناع ضباط الجيش الإسرائيلي الذين يحاصرون المخيم بالتدخل لوقف المجزرة الجارية.

في محيط المخيمين كانت الحركة طبيعية ولم يصدّق أحد أن هناك مجزرة جارية. لكن مع بدء تدفق الجرحى إلى مستشفيي عكا وغزة، وكلامهم عن فظائع وأهوال تجري في مخيم شاتيلا، صارت الأنباء واقعية، وبدأ الجميع يصدّق بأن هناك شيئاً ما يجري على أرض المخيم، وأن ذلك شيء يتعلق بـ “مذبحة”. وعليه بدأ اللاجئون بالهروب على عجل وتجمّع بعضهم في باحة مستشفى عكّا لاعتقادهم أن هذا المكان سيكون آمناً وأن المسلحين لن يهاجموا مستشفى، لكن ذلك لم يحدث إذ هاجم عناصر “القوات اللبنانية” مستشفى عكا وارتكبوا فيه عمليات قتل واغتصاب لا تقل عن تلك التي قاموا بها في أزقة المخيمين.

جثث مكدسة ومحاولات للهروب إلى بيروت الغربية

يوم الجمعة 17 أيلول/سبتمبر، بدت الجثث المكدسة ظاهرة للعيان في مخيم شاتيلا، وواصل السكان محاولات الهرب من المخيمين ومن المستشفيات والمساجد باتجاه بيروت الغربية، لكن الإسرائيليين كانوا يقطعون الطريق عليهم ويجبرونهم على العودة إلى المخيمين بالقوة، وهناك كان الموت بانتظارهم..

إن مجرى الأحداث خلال المجزرة يشير بوضوح إلى انه لم يكن هناك رغبة لدى الإسرائيليين بوقف عمليات “القوات اللبنانية” داخل المخيمين، فالمهاجمون أوحوا للإسرائيليين بأنهم يقومون بـ “تنظيف المخيمين من الإرهابيين” على حد زعمهم، أمّا الإسرائيليون فغضوا النظر عن كل الشكاوى التي كان يقدمها لهم الهاربون من الموت، إلى أن اضطروا (الإسرائيليون) إلى الطلب، وبضغط أميركي، من المهاجمين التوقف عن إطلاق النار، ولكن كان ذلك بعد نهار طويل من القتل تبعه صباح دامٍ، أي أن القوات المهاجمة لم تتوقف عن زرع الموت والدمار في المخيمين إلا في صباح يوم السبت 18 أيلول/سبتمبر. وكانت هذه القوات قد هاجمت مستشفى عكا يوم الجمعة في 17 أيلول/سبتمبر، حيث اغتالت بعض المرضى وعدداً من العاملين فيه، ويروي شهود أن بين العاملين كانت الممرضة انتصار إسماعيل التي اغتصبت لأكثر من عشر مرات قبل قتلها من قبل مجموعة من عناصر “سعد حداد”. كما جرى قتل طبيبين هما علي عثمان وسامي الخطيب بالإضافة إلى عامل مصري.

همجية ضد الأطفال

في الساعة السادسة من صباح يوم السبت كانت المجزرة لا تزال مستمرة، وكان المهاجمون ينادون سكان المخيمين عبر مكبرات الصوت للاستسلام حتى يسلموا من القتل، ولدى تسليم الأهالي أنفسهم كانت مجموعات من المسلحين تقوم باصطحابهم بشاحنات إلى جهات مجهولة ولم يعرف مصيرهم منذ ذلك الوقت. أما من لم تتسع لهم الشاحنات من الرجال فاقتيدوا إلى المدينة الرياضية حيث يتواجد الاسرائيليون للاستجواب، وركز الإسرائيليون أسئلتهم عن الفدائيين وكانوا يهددون الأسرى بتسليمهم إلى المهاجمين، وبالفعل تمّ العثور لاحقاً على 28 جثة في المدينة الرياضية لأسرى تم ربط أيديهم إلى خلف ظهورهم قبل إطلاق النار عليهم.

مرّ يوم السبت على أكثر من 1211 شهيداً من الفلسطينيين واللبنانيين، بحسب أحد الإحصاءات الأولية لأعداد الشهداء، فيما ذكرت مصادر أخرى أن عدد شهداء المجزرة تراوح بين 3 آلاف إلى 4 آلاف شهيد ومفقود.

إن هول المجزرة دفع الإسرائيليين إلى التنصل منها على الفور، ومثلهم حاولت ان تفعل “القوات اللبنانية” وخصوصاً حزب “الكتائب”، وهذا ما دفع بعض الصحف اللبنانية التي صدرت بعد المجزرة إلى تجنب تحميل المسؤولية إلى أطراف لبنانية، وقد فهم هذا الأمر على أنه حرص من هذه الصحف على “السلم الأهلي اللبناني”.

وفي المحصلة وبغض النظر عن أعداد الشهداء، فإن ما جرى في مخيم شاتيلا لا يمكن أن يتم من دون علم القوات الإسرائيلية التي كانت تحاصره، إذ روى الشهود أن أهالي المخيم شكلّوا أكثر من وفد لإبلاغ الإسرائيليين بما يحدث من دون جدوى، ويتحدثون عن وفد من كبار السن كان قد ذهب للقوات الإسرائيلية غير أن كل أعضاء الوفد لم يعودوا وقد عثر عليهم جثثاً هامدة لاحقاً.

في مخيم شاتيلا، كان الفلسطينيون وحدهم، فبعد رحيل المقاتلين الفدائيين عن بيروت، ترك اللاجئون بلا حول ولا قوة ولا حماية. فالتعهدات الدولية بحماية أبناء المخيمات والتي وردت في ما عرف باتفاقات فيليب حبيب لم تمنع ارتكاب أسوأ المذابح المعاصرة، كعقاب جماعي للاجئين عزّل ومدنيين على جريمة (اغتيال بشير الجميّل) لم تقترفها أياديهم ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.

النتائج

بحسب ممثلى الصليب الأحمر لوزير الدفاع اللبنانى يقال إن تعداد الجثث بلغ 328 جثة، ولكن لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة إسحاق كاهان تلقت وثائق أخرى تشير إلى تعداد 460 جثة فى موقع المذبحة. فى تقريرها النهائى استنتجت لجنة التحقيق الإسرائيلية من مصادر لبنانية وإسرائيلية أن عدد القتلى بلغ ما بين 700 و800 نسمة.

 

 

مجزرة صبرا وشاتيلا

مقدمة

بدأت المؤامرة على الفلسطينيين العزل في لبنان بعد خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية والفدائيين أواخر آب 1982 إلى الأردن والعراق وتونس واليمن وسوريا والجزائر وقبرص واليونان، بانسحاب القوات متعددة الجنسيات قبل عدة أيام: الاميركية في 10 أيلول 1982، والايطالية في 11 ايلول، والفرنسية في 13 ايلول، انسحبوا قبل موعدهم الرسمي بعشرة ايام رغم وجود ضمانات اميركية واتفاق فيليب حبيب، بعدم دخول الجيش الاسرائيلي لبيروت الغربية، وضمانة حماية المدنيين الفلسطينيين وعوائل الفدائيين الذين خرجوا من بيروت.

بحسب زعم رفائيل ايتان هو “تطهير المخيمات من الارهابيين”، وبذريعة وجود ألفي فدائي فلسطيني، فيما لم يعثر على جثة فلسطيني واحد مسلح.

مخيم صبرا

المجزرة الأكثر بشاعة في تاريخ القضية الفلسطينية ارتبط اسمها بمخيّمين للاجئين في لبنان؛ أحدهما صبرا والآخر شاتيلا، فالأول يعدّ حياً تابعاً إدارياً لبلدية “الغبيري” في محافظة جبل لبنان، يطلق عليه اسم “صبرا”، جنوبي العاصمة بيروت، ويجاوره مخيم شاتيلا.

“صبرا” حيٌّ للاجئي فلسطين المُهجّرين من ديارهم هرباً من انتهاكات الجيش الإسرائيلي، التي سبقت نكبة فلسطين سنة 1947، وتسكنه نسبة كبيرة من الفلسطينيين، وعلى الرغم من ارتباط اسمه باسم شاتيلا، ما يولد انطباعاً بكونه مخيماً، فإنه لا يعد تجمّعاً رسمياً للاجئين.

في المخيم شارع كبير يمرّ من قلب الحيّ، يُسمّيه اللاجئون “صبرا”؛ تيمّناً بكنية إحدى العائلات التي تسكنه، ومن هنا جاءت التسمية، فالشارع يبدأ في حي الدنا بمنطقة الطريق الجديدة ببيروت، ويمرّ بساحة صبرا وسوق الخضار الرئيسي، وينتهي عند مدخل مخيم شاتيلا، ويُسمى الشارع في المسافة بين ساحة صبرا وشاتيلا بآخر شارع صبرا.

مخيم شاتيلا
مخيم صبرا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمخيم شاتيلا، الذي يعدّ مخيماً دائماً للاجئين الفلسطينيين، أسسته وكالة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عام 1949؛ بهدف إيواء المئات من اللاجئين الذين تدفّقوا إليه من قرى أمكا ومجد الكروم والياجور في شمال فلسطين.

فبعد مرور شهور على النكبة، ولما ازدادت الحاجة إلى وجود أمكنة للسكن، تبرّع سعد الدين باشا شاتيلا بأرضٍ له، تُعرف منذ ذلك التاريخ حتى اليوم بمخيم شاتيلا، جنوب العاصمة اللبنانية بيروت.

أرض المخيم نصفها مؤجَّر من قبل الأونروا، والنصف الثاني ملك لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمخيم معروف بأنه المكان الذي حصلت فيه مذبحة صبرا وشاتيلا، في سبتمبر 1982، إضافةً لأحداث الحرب الأهلية اللبنانية عام 1982، وحرب المخيمات بين عامي 1985 و1987.

مساحة المخيم لا تزيد عن كيلو متر مربع، ويسكنه أكثر من 12 ألف لاجئ، ليكون من أكثر المناطق كثافة بالسكان، ويحتوي مدرستين فقط، ومركزاً طبياً واحداً، ويعاني المخيم ظروفاً صحية وبيئية سيئة جداً؛ فالمساكن رطبة ومكتظّة، والعديد منها تحتوي على قنوات تصريف مفتوحة.

الاحداث

يوم الخميس 16 أيلول/سبتمبر 1982، شاهد سكان المخيم القنابل المضيئة في السماء، وكان هدف هذه القنابل التي أطلقتها قوات الحصار الإسرائيلية، إنارة الطريق للقوات التي ارتكبت المجزرة والتي تشكّلت من “القوّات اللبنانية” بالدرجة الأولى، وانضم إليها أفراد من جيش “سعد حداد” والذي شارك بالعملية بقوات “لبنان الحر”، وقد تعرّف الشهود على هؤلاء من خلال لهجتهم الجنوبية والشارات التي كانوا يضعونها على بدلاتهم العسكرية، وقد قدّر مجموع القوات المهاجمة بنحو 400 مسلح في ذروة المجزرة. وقد وضع على رأس هذه القوّات إلياس حبيقة (وزير لبناني سابق اغتيل في 24 يناير/ كانون الثاني 2002 والذي كان أحد قادة “القوات اللبنانية”.

ويروي شهود ممن كانوا في المخيم أن إحدى الدبابات الإسرائيلية تقدمت مسافة أمتار داخل المخيم عبر الشارع الرئيسي فيه، وقد فسّر ذلك على أنه محاولة لمعرفة ما إذا كان هناك مقاومة في داخله لكن الدبابة عادت أدراجها من دون أن تتعرض لأي إطلاق نار. وهكذا كانت الأرضية قد أعدّت جيداً لدخول “القوّات اللبنانية” إليه، وبالفعل فقد تحركت قوة من 150 مسلحاً كانت تجمعت في مطار بيروت باتجاه الأوزاعي ومن هناك إلى ثكنة “هنري شهاب” التابعة للجيش اللبناني حيث كانت تتجمع “القوات اللبنانية”، وإلى الشمال قليلاً من الثكنة كان الإسرائيليون قد أقاموا مركزاً للرصد والمتابعة، علماً بأن هذا المركز يبعد نحو 200 متر من مخيم شاتيلا حيث كانت ترتكب المذبحة.

بداية المجزرة

بدأت عمليات القتل في الساعة الخامسة والنصف تقريباً وتركزت في أطراف المخيم، إذ قام المهاجمون بقتل كل ما يتحرّك من دون أن يدخلوا إلى أزقة المخيم، وبذلك بدأت المجزرة التي استمرت لنحو ثلاثة أيام تقريباً ولم يتم التمييز فيها بين لبنانيين وفلسطينيين وسوريين ومصريين وسودانيين، ولا حتى أبناء جنسيات عربية وأجنبية أخرى صودف وجودهم في المكان. وكان بين المفقودين، بحسب أمنون كابليوك، تسع نساء يهوديات كنّ قد تزوجّن من فلسطينيين خلال فترة الانتداب البريطاني لفلسطين وقد تبعن أزواجهن إلى لبنان أثناء نزوح سنة 1948. وكانت الصحف الإسرائيلية نشرت عقب المجزرة أسماء 4 منهن.

كان المهاجمون يحطمون أبواب البيوت ويقتلون من في داخلها من دون أن يقولوا شيئاً، فقد كانوا يطبقون خطة محكمة تمّ وضعها بهدف القتل لا غيره، وبحسب ناجين من المجزرة فإن المسلحين لم يكتفوا بالقتل بل قاموا باغتصاب الفتيات ومارسوا عمليات نهب وسرقة، وكانوا يقطعون معاصم النساء المقتولات لنزع الحلي من أياديهن.

تروي شهادات الناجين كيف قضى المسلحون على كل شكل للحياة في المخيم، فالأطفال حتى الرضع منهم، لم يسلموا من القتل، بُقرت بطون النساء الحوامل وأخرجت الأجنة منها، بعض المشاهد تجسّد الوحشية التي مارسها المهاجمون إذ كانوا يتراهنون على جنس المولود بعد قتلهم لإمرأة حامل.

في هذه الأثناء، وفي الوقت الذي كانت تسير فيه المذبحة كما هو مخطط لها، لم يفلح بعض الهاربين من شاتيلا في إقناع ضباط الجيش الإسرائيلي الذين يحاصرون المخيم بالتدخل لوقف المجزرة الجارية.

في محيط المخيمين كانت الحركة طبيعية ولم يصدّق أحد أن هناك مجزرة جارية. لكن مع بدء تدفق الجرحى إلى مستشفيي عكا وغزة، وكلامهم عن فظائع وأهوال تجري في مخيم شاتيلا، صارت الأنباء واقعية، وبدأ الجميع يصدّق بأن هناك شيئاً ما يجري على أرض المخيم، وأن ذلك شيء يتعلق بـ “مذبحة”. وعليه بدأ اللاجئون بالهروب على عجل وتجمّع بعضهم في باحة مستشفى عكّا لاعتقادهم أن هذا المكان سيكون آمناً وأن المسلحين لن يهاجموا مستشفى، لكن ذلك لم يحدث إذ هاجم عناصر “القوات اللبنانية” مستشفى عكا وارتكبوا فيه عمليات قتل واغتصاب لا تقل عن تلك التي قاموا بها في أزقة المخيمين.

جثث مكدسة ومحاولات للهروب إلى بيروت الغربية

يوم الجمعة 17 أيلول/سبتمبر، بدت الجثث المكدسة ظاهرة للعيان في مخيم شاتيلا، وواصل السكان محاولات الهرب من المخيمين ومن المستشفيات والمساجد باتجاه بيروت الغربية، لكن الإسرائيليين كانوا يقطعون الطريق عليهم ويجبرونهم على العودة إلى المخيمين بالقوة، وهناك كان الموت بانتظارهم..

إن مجرى الأحداث خلال المجزرة يشير بوضوح إلى انه لم يكن هناك رغبة لدى الإسرائيليين بوقف عمليات “القوات اللبنانية” داخل المخيمين، فالمهاجمون أوحوا للإسرائيليين بأنهم يقومون بـ “تنظيف المخيمين من الإرهابيين” على حد زعمهم، أمّا الإسرائيليون فغضوا النظر عن كل الشكاوى التي كان يقدمها لهم الهاربون من الموت، إلى أن اضطروا (الإسرائيليون) إلى الطلب، وبضغط أميركي، من المهاجمين التوقف عن إطلاق النار، ولكن كان ذلك بعد نهار طويل من القتل تبعه صباح دامٍ، أي أن القوات المهاجمة لم تتوقف عن زرع الموت والدمار في المخيمين إلا في صباح يوم السبت 18 أيلول/سبتمبر. وكانت هذه القوات قد هاجمت مستشفى عكا يوم الجمعة في 17 أيلول/سبتمبر، حيث اغتالت بعض المرضى وعدداً من العاملين فيه، ويروي شهود أن بين العاملين كانت الممرضة انتصار إسماعيل التي اغتصبت لأكثر من عشر مرات قبل قتلها من قبل مجموعة من عناصر “سعد حداد”. كما جرى قتل طبيبين هما علي عثمان وسامي الخطيب بالإضافة إلى عامل مصري.

همجية ضد الأطفال

في الساعة السادسة من صباح يوم السبت كانت المجزرة لا تزال مستمرة، وكان المهاجمون ينادون سكان المخيمين عبر مكبرات الصوت للاستسلام حتى يسلموا من القتل، ولدى تسليم الأهالي أنفسهم كانت مجموعات من المسلحين تقوم باصطحابهم بشاحنات إلى جهات مجهولة ولم يعرف مصيرهم منذ ذلك الوقت. أما من لم تتسع لهم الشاحنات من الرجال فاقتيدوا إلى المدينة الرياضية حيث يتواجد الاسرائيليون للاستجواب، وركز الإسرائيليون أسئلتهم عن الفدائيين وكانوا يهددون الأسرى بتسليمهم إلى المهاجمين، وبالفعل تمّ العثور لاحقاً على 28 جثة في المدينة الرياضية لأسرى تم ربط أيديهم إلى خلف ظهورهم قبل إطلاق النار عليهم.

مرّ يوم السبت على أكثر من 1211 شهيداً من الفلسطينيين واللبنانيين، بحسب أحد الإحصاءات الأولية لأعداد الشهداء، فيما ذكرت مصادر أخرى أن عدد شهداء المجزرة تراوح بين 3 آلاف إلى 4 آلاف شهيد ومفقود.

إن هول المجزرة دفع الإسرائيليين إلى التنصل منها على الفور، ومثلهم حاولت ان تفعل “القوات اللبنانية” وخصوصاً حزب “الكتائب”، وهذا ما دفع بعض الصحف اللبنانية التي صدرت بعد المجزرة إلى تجنب تحميل المسؤولية إلى أطراف لبنانية، وقد فهم هذا الأمر على أنه حرص من هذه الصحف على “السلم الأهلي اللبناني”.

وفي المحصلة وبغض النظر عن أعداد الشهداء، فإن ما جرى في مخيم شاتيلا لا يمكن أن يتم من دون علم القوات الإسرائيلية التي كانت تحاصره، إذ روى الشهود أن أهالي المخيم شكلّوا أكثر من وفد لإبلاغ الإسرائيليين بما يحدث من دون جدوى، ويتحدثون عن وفد من كبار السن كان قد ذهب للقوات الإسرائيلية غير أن كل أعضاء الوفد لم يعودوا وقد عثر عليهم جثثاً هامدة لاحقاً.

في مخيم شاتيلا، كان الفلسطينيون وحدهم، فبعد رحيل المقاتلين الفدائيين عن بيروت، ترك اللاجئون بلا حول ولا قوة ولا حماية. فالتعهدات الدولية بحماية أبناء المخيمات والتي وردت في ما عرف باتفاقات فيليب حبيب لم تمنع ارتكاب أسوأ المذابح المعاصرة، كعقاب جماعي للاجئين عزّل ومدنيين على جريمة (اغتيال بشير الجميّل) لم تقترفها أياديهم ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.

النتائج

بحسب ممثلى الصليب الأحمر لوزير الدفاع اللبنانى يقال إن تعداد الجثث بلغ 328 جثة، ولكن لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة إسحاق كاهان تلقت وثائق أخرى تشير إلى تعداد 460 جثة فى موقع المذبحة. فى تقريرها النهائى استنتجت لجنة التحقيق الإسرائيلية من مصادر لبنانية وإسرائيلية أن عدد القتلى بلغ ما بين 700 و800 نسمة.

 

 

المصادر والمراجع

  • بيان الحوت، صبرا وشاتيلا أيلول 1982(مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2003).
  • الخليج اون لاين، https://alkhaleejonline.net/
  • الموسوعة الفلسطينية، ج4.
  • وكالة الانباء الفلسطينية، https://www.wafa.ps/Pages/Details/9272
  • اليوم السابع، https://www.youm7.com/story/2018/9/16