ثورة فلسطين الكبرى 1936م

انطلقت الثورة الفلسطينية الكبرى في 20 نيسان 1936 وامتدت حتى عام 1939، وهي تتميز عن الثورات التي قامت ما بين 1920 و1933، إذ أن جميع ما عرف بالثورات الفلسطينية قبل ثورة 1936 لم يكن أكثر من هبات أو انتفاضات، أما ثورة 1936 فقد توافرت لها شروط الثورة هدفاً وأداة وأسلوبا، وهي تمثل محطة بارزة في حركة النضال الوطني الفلسطيني ضد الصهيونية والاستعمار البريطاني منذ أواخر القرن التاسع عشر، فهي نقلة نوعية في توجهات هذا النضال بعد حالة الوهن العام التي اعترت الحركة الوطنية الفلسطينية في أعقاب هبة البراق عام 1929.

بدأت ثورة 1936 بطريقة شبه عفوية ما لبث أن استقطبت الشعب على نحو غير مسبوق، على أهداف وقف الهجرة اليهودية، ومنع بيع الأراضي واغتيال باعة الأرض والسماسرة والجواسيس والتصدي لمشروع التقسيم الذي كانت بريطانيا تمهد لتنفيذه، وصيانة عروبة فلسطين والحفاظ على أراضيها ومنع تهويدها، وإعلان استقلالها في وحدة عربية شاملة.

اندلعت نيران الثورة في فلسطين مع حادث 17 أبريل/ نيسان 1936 حين قتل اليهود إثنين من العمال الفلسطينيين قرب نهر العرجا بقضاء يافا، وبعد يومين قامت مظاهرات بمدينة يافا، وهاجم المتظاهرون الأحياء اليهودية، وقتلوا وجرحوا 60 يهوديا، وتدخل البوليس البريطاني، واشتبك مع المواطنين الفلسطينيين، وفرض نظام منع التجول، واستشهد فلسطينيان، وأعلن الشعب العربي في فلسطين الإضراب العام الذي إستمر 176 يوما، إضرابا عاما لم يسبق له مثيل في الوطن العربي، قدم الشعب الفلسطيني خلاله أقصى ما يمكن أن يقدمه شعب مستميت في البسالة والتضحية والثبات والصبر.
لجأت الثورة إلى الكفاح المسلح أسلوبا، لانتزاع حقوقها من الاستعمار البريطاني، ولم تتوقف إلا عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، لأسباب ذاتية، وأسباب تتعلق بالتدخل العربي الرسمي لإنهاء الإضراب، والتحالف الفرنسي البريطاني عشية عام 1939.

ما قبل الثورة الفلسطينية
بعد استشهاد الشيخ عز الدين القسام أواخر عام 1935م اشتد اضطراب الجو السياسي في فلسطين لقرب نيل بعض الأقطار العربية استقلالها وخاصة مصر وسوريا ولبنان ، وكان أمل الجماهير الفلسطينية وكفاحها لنيل الاستقلال ومناهضة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين ولم تكن هذه الأماني لتتحقق إلا عن طريق النضال الجماهيري الموحد والوقوف في وجه السلطة البريطانية. تهيأت الظروف المواتية لإعلان الثورة نتيجة لإدراك الشعب الفلسطيني المخططات الصهيونية الرامية إلى إنشاء الوطن القومي اليهودي، وازدياد حجم الهجرة الصهيونية منذ سنة 1933م وسيطرة الصهاينة على الشؤون الاقتصادية وعلى المزيد من الأراضي الفلسطينية.

أسباب وعوامل اندلاع الثورة الفلسطينية
كانت هناك أسباب ممهدة لانفجار الثورة وهي كالتالي : –
1- الهجرة اليهودية المتدفقة على أبواب فلسطين تحت عيون الإنجليز وبتشجيع منهم , بلغ عددهم سنة 1935م (61.541 ألفًا) مهاجرًا.
2- بسط اليهود يدهم على أراضي فلسطينية سواء عن طريق انتقال الأراضي الفلسطينية لليهود.
3- رفض الفلسطينيين لفكرة إقامة وطن قومي لليهود وتخوفهم على مصيرهم ومكانتهم وتاريخهم وكيانهم .
4- عدم المساواة بين اليهود والعرب أمام الحكومة البريطانية وقوة اليهود في الحكومة البريطانية مما يقوض آمال العرب القومية.
5- عدم وضوح نوايا الانتداب البريطاني.
6- ازدياد الوعي القومي والفلسطيني وخاصة في ظل حركات التحرر العالمية والشرق أوسطية.

انطلاق الثورة الفلسطينية وأعمالها
في 20 من أبريل أعلن في مدينة نابلس عن تأليف لجنة قومية دعت إلى الإضراب العام، وفي 25 أبريل اجتمعت الأحزاب برئاسة الحاج أمين الحسيني الذي ساند الأحزاب، انتشر هذا الإضراب في جميع القرى والمدن الفلسطينية كانتشار النار في الهشيم. وكان الشيخ فرحان السعدي الشرارة التي أطلقت ثورة عام 1936م، ففي 17/4/1936م قام هو ومجموعة صغيرة من رجاله (لا يتجاوزون الثلاثة) بنصب حاجز على طريق عنبتا طولكرم، وقاموا بتفتيش السيارات المارة بحثاً عن مستوطنين يهود، وقاموا بإعدام اثنين منهم، فيما كانوا يجمعون التبرعات من المواطنين العرب، ويقولون لهم نحن رجال القسام.
أعمال الثوار
الإضراب العام – استمر ستة أشهر.
مهاجمة المستعمرات .
مهاجمة مراكز الشرطة الإنجليزية .
تدمير خطوط سكة الحديد والجسور .
الاشتباك مع الجنود وأفراد الشرطة الإنجليز ووقوع معارك طاحنة أسفرت عن خسائر من الجانبين .
مقاطعة لجان التحقيق البريطانية .
استرجاع مناطق كاملة من أيدي الإنجليز.

الإرهاب الإنجليزي ورد فعله على الثورة الفلسطينية
1- إقامة الحواجز والتفتيش .
2- العقاب الجماعي للقرى .
3- السجن .
4- التعذيب الشديد الذي لم يشهد التاريخ البشري أبشع منه.
5- استعمال الشباب الفلسطيني كدرع واق من الثوار .
6- تخريب الأملاك والبيوت والمؤن .
7- إعدام كل من يملك البارود أو الرصاص .
8- النفي .
9- هدم البيوت .
10- هدم أحياء كاملة , كما حدث في يافا القديمة وذلك بحجة أن الحي قلعة لا تجرؤ القوات على دخولها، مما أدى إلى تشريد عشرات العائلات.

التنظيم العسكري:

جرت محاولات تنظيم النشاط العسكري أثناء الاضراب الكبير بهدف توحيد الجهود وتحقيق الحد الأقصى من الفاعلية والتأثير. وقد أدى أعضاء تنظيم الشيخ القسام السريون الذين تمكنوا من تجنب عمليات التطويق البريطاني ونجحوا في تأمين قواعد لهم في الجبال، أدوا دوراً بارزاً في التحريض على إشعال الثورة والإعداد التنظيمي والعسكري لها مستغلين حالة الغليان التي عاشتها الجماهير، وأدت إلى إعلان الاضراب الكبير. ولم يتوقفوا عن العمل الثوري في صفوف طبقات الشعب كافة، وخاصة طبقة الفلاحين، ودعوتهم للجهاد من أجل قضية العرب الكبرى.

وقد حافظ العمل العسكري خلال عام 1936 إلى حد ما على التنظيم، لكن العفوية تغلبت على معظمه حتى خريف 1937 وبداية 1938 عند اشتعال الثورة مرة أخرى وشمولها قطاعات الشعب الفلسطيني كافة. وكان للتجارب الكثيرة التي مر بها القادة والثوار، واكتسبوا خلالها خبرة أوسع من ناحية القتال والتدريب، أثر كبير في تطوير التنظيم نحو الأفضل، مما جعل الثورة على مستوى أعلى من الدقة والتنظيم. وفي عام 1938 تم تنظيم القيادة العسكرية على الشكل التالي:

1)  القيادة العامة: اتخذت قادة الثورة من مدينة دمشق مقراً سرياً لصعوبة بقائها في فلسطين في تلك لفترة نتيجة ضغط ومراقبة السلطات. وتكون المجلس القيادي من القائد العام ومن عدد من المساعدين هم غالباً رؤساء فروع الشؤون الإدارية والمخابرات والإعلام، بالإضافة إلى قادة المناطق. كما تم تعيين عدد من قدامى المحاربين السوريين ممن عملوا في الثورة السورية (1925 -1927) مستشارين للقائد العام.

2)  قيادة المناطق: خضعت جبهات القتال في فلسطين لقيادات مناطق رئيسة كانت كل منها قيادة ميدانية للثورة في غياب القيادة العسكرية العامة في دمشق، وقد تم توزيعها على الشكل التالي:

(1)   المنطقة الشمالية: وتمتد من جبل الكرمل* في الجنوب إلى حدود سورية ولبنان في الشمال ومنطقة طبرية وسمخ* في الشرق. وتعتبر هذه المنطقة بسبب وعورتها ملائمة لحرب العصابات.

(2)   منطقة نابلس: وتشمل أقضية نابلس وطولكرم وجنين وساحل حيفا. وتعتبر هذه المنطقة نموذجية لحرب العصابات* لوعورتها وصعوبة مسالكها.

(3)   المنطقة الوسطى: تشمل أقضية يافا واللد والرملة.

(4)   منطقة القدس: وتشمل أقضية القدس والخليل ورام الله وبيت لحم.

أما المناطق الجنوبية من فلسطين فلم يكن فيها قادة مناطق لأنها أراض زراعية أو صحراوية لا تصلح لتنقل رجال العصابات.

ووضعت قيادات محلية في غزة والمجدل وبئر السبع وخان يونس تنفذ أوامر القيادة العامة وتتعاون مع قيادتي منطقتي القدس ونابلس في بعض الأحيان.

وسائل قوات الاحتلال في قمع الثورة

  • الإعدامات:أصدرت محاكم الاحتلال البريطاني قراراتٍ بإعدام 150 قائدًا في الثورة، من بينهم الشيخ فرحان السعدي رغم أن عمره تجاوز الثمانين عامًا، وهو الذي اعتبره المؤرخ صبحي ياسين بأنه “خلفية الشهيد القسام وأول من أطلق رصاصة في سنة 1936”.
  • العقوبات الجماعية: بتاريخ 31 تشرين أول/أكتوبر من عام 1938، أُطلِقَت رصاصةٌ على دوريةٍ بريطانية قرب قرية في قضاء عكا، فأحضر جيش الاحتلال مدفعيته ودك القرية ودمر معظم بيوتها وحرَّق الحقول والأشجار، وقد كان هذه هو الأسلوب المتبع في باقي القرى، إذ نسفت القوات البريطانية أكثر من ألفي منزلٍ واعتقلت ستة آلاف شخص إبان الثورة.
  • مصادرة السلاح: فرضت سلطات الاحتلال البريطاني على كل قريةٍ تسليم ما بحوزتها من سلاح، وفي حال عثر الجيش على سلاحٍ في قريةٍ ما كان يُدمر منازلها.
  • عمليات انتقامية: في عام 1938، نجح مجاهدٌ في اغتيال ضابطٍ رفيع بالجيش البريطاني في جنين، ولكنه وقع في الأسر وتم إعدامه دون محاكمة، وإثر ذلك دمّر الجيش البريطاني عددًا كبيرًا من منازل المدينة.
  • فرض غرامات باهظة: في حال فجر الثوار أي منشأة للاحتلال أو قطعوا خط الهاتف، فإن سلطات الاحتلال كانت تُجبر أهالي القرى المحيطة على دفع مبالغ مالية كبيرة لإعادة بناء ما تم استهدافه.
  • الفلسطينيون دروعًا بشرية: بعد تصاعد عمليات زرع الألغام على سكة الحديد لاستهداف القطار، بدأ الجيش البريطاني باستخدام الفلسطينين دورعًا بشرية ليُجنّب نفسه أي خسائر في جنوده، فكان يجبر بعض الأهالي على ركوب العربات للمرور قبل القطار البريطاني حتى تنفجر فيهم الألغام، كما كان يُجبر السيارات الفلسطينية على المرور في مقدمة أي قافلة لقواته في الشوارع.

نهاية الثورة الفلسطينية
امتدت نهاية الثورة من خريف سنة 1938م حتى صيف سنة 1939م، وبدا أن البريطانيين كانوا يتحركون، في تلك الفترة، في اتجاهين: ففي مطلع نيسان / أبريل 1938م، أوفدت بريطانيا لجنة تحقيق، برئاسة السير جون وودهيد، لدراسة الجوانب الفنية لتنفيذ فكرة التقسيم ـ كما قيل وقتها.
وقد نشرت اللجنة تقريرها في تشرين الثاني/ نوفمبر من السنة نفسها، وتوصلت فيه إلى أن التقسيم لم يكن عمليا.

ومع هذا دبر البريطانيون هجوما شاملا لسحق الثورة نهائيا. فقد جلبوا تعزيزات هائلة جديدة بعد أن تمت التعبئة الجزئية للقوات البريطانية المسلحة الرئيسية في بريطانيا لهذا الغرض واستقدمت فرقتين عسكريتين من الهند والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسلموا إدارة شؤون فلسطين إلى قادة عسكريين. وكانت الاشتباكات التي عقبت ذلك من اشد وأعنف ما حدث.

ومع نشر تقرير وودهيد، أعلنت الحكومة البريطانية أيضا نيتها عقد مؤتمر عام في لندن يحضره زعماء صهاينة وفلسطينيون، ومندوبون عن الدول العربية المجاورة . على أن بريطانيا كانت من قصر النظر بحيث اعترضت على اشتراك الزعيم الفلسطيني البارز الحاج أمين الحسيني، رئيس اللجنة العربية العليا المحظورة، في هذا المؤتمر. وكان الحاج أمين الحسيني -إثر تفاديه الاعتقال في أيلول / سبتمبر 1937م-يتولى قيادة الثورة من منفاه في لبنان. ودام مؤتمر لندن من 7 شباط / فبراير إلى 27 آذار / مارس 1939م، لكنه لم يتوصل إلى تسوية ترضي الصهاينة والفلسطينيين.

نتائج الثورة الفلسطينية
1-استشهاد 5000 مقاتل وجرح 15,000 واعتقل 108 من قوات الثورة الفلسطينية.
2-مقتل 262 جندي بريطاني وجرح 550.
3-مقتل 300 وجرح 469 وأسر 4 من العصابات الصهيونية.
4-المقترحات السياسية الإنجليزية كانت تحاول إجهاض الثورة والفتّ في ساعدها – وزرع الشقاق بين الأشقاء الفلسطينيين .
5-ظهور شخصيات فلسطينية وعربية شاركت في الثورة كرموز بطولية مثل عبد الرحيم الحاج محمد، والشيخ فرحان السعدي، ويوسف أبو درة، وعبد الرحيم محمود، وعبد القادر الحسيني. .
6-وقعت الدول العربية تحت الضغوط البريطانية لإطفاء لهيب الثورة مثل الأردن, العراق, السعودية.
7- ملاحقة الفرنسيين للثوار الذين التجئوا إلى لبنان وسوريا وقطع خطوط الإمداد للثوار .
8- بداية الحرب العالمية الثانية ساهم في نهاية الثورة.

أسباب فشل الثورة الفلسطينية
فشلت الثورة الكبرى لعدة أسباب: الفارق الكبير في ميزان القوى حيث كانت الإمبراطورية البريطانية قوة عظمى في ذلك الوقت تملك قوة جوية ضاربة، واستدعت فرق إضافية وجندت المستوطنين اليهود، وفي المقابل كانت إمكانيات الثوار المادية والتسليحية والعددية متواضعة.

وإن كان استمرار الثورة ممكناً رغم اختلال ميزان القوى، إلا أن ذلك كان مشروطاً بالقدرة على إعادة تعويض الخسائر التي تلحق بالثوار، فكان افتقارهم لقيادة قادرة على إعادة إنتاج نفسها، من خلال استقطاب عناصر جديدة لتعويض النقص البشري، بالإضافة إلى انفصال الأحزاب السياسية عن الثوار، سبباً قاد إلى تلاشي الثورة ونهايتها بمجرد اعتقال قادة الثورة وتصفيتهم،  كما لعبت أخطاء الثوار دوراً في فشل الثورة، وخاصة كثرة الاغتيالات السياسية بحق الشخصيات السياسية العربية المتواطئة مع بريطانيا وغيرهم ممن اعتبروا خونة ومتواطئين والتوسع في اتهام الناس بالخيانة ولأمور لا تستحق مثل العمل في الإدارات الحكومية، فأورثت هذه الاغتيالات أحقاداً لدى أقارب من قتلوا على يد الثوار، ودخل الثوار في دوامة ثأر وثأر مضاد مع أهل من اغتيلوا مما أنهك قوتهم وشتت جهودهم.

 

المصادر والمراجع