هبة باب الاسباط 2017

هبة باب الأسباط 2017

فتحت قوّات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المسلمين بعد إغلاقه ثلاثة أيّام في شهر تموز/2017 عقب تنفيذ ثلاثة شبان من مدينة ام الفحم عملية عسكرية أدّت إلى مقتل اثنين من جنود الاحتلال وجرح ثالث. لكنّ الاحتلال لم يفتح المسجد إلا بعدما نصب بوابات إلكترونية على بواباته ليمرّ المسلمون عبرها فتكشف ما قد يحملونه من مسدّسات أو سكاكين أو غيرها ما قد يصلح لتنفيذ عمليّة في الأقصى. تنبّه المقدسيّون لهذا لمحاولة الإسرائيلية التي تهدف إلى فرض أمر واقع جديد في الأقصى يفاقم من عملية خلخلة الوضع القائم التي يرعاها الاحتلال بمستوياته كافّة لفرض معادلة جديدة تجعله صاحب السّيطرة والسّيادة المطلقة على المسجد.

رفض المقدسيّون العبور عبر البوابات، ودفعوا الشخصيّات المقدسية لتكون معهم في معركة لا تقتصر على رفض البوّابات كـ “إجراء” بل كنهج وسياسة، وتوجّه رسائل برفض الاحتلال والمتواطئين معه، ونبذ سياساته والدّاعمين لها. أمام صمود المقدسيّين وإصرارهم، كان على الاحتلال التراجع بعدما حاول المماطلة لكسب الوقت و”الاستعانة بالأصدقاء” للخروج من هذا الموقف بأقلّ خسائر إذ إنّ مزاعمه حول السيطرة على المسجد وُضعت على المحكّ بوضوح.

اضطر الاحتلال إلى الانصياع، وأزال البوّابات الإلكترونيّة في 24/7/2017، متسترًا بسواد ليل قد يخفي هزيمته في هذه الجولة من الحرب المستمرّة، ووقف شاهدًا على احتفال المقدسيّين بانتصارهم عبر إحياء معادلة إجبار العدو على التّراجع في مواجهة الإصرار والصمود. لا شكّ في أنّ هذه المعادلة شكّلت إحراجًا للاحتلال على مدى تاريخه، وأظهرت مكامن الضعف لديه، كما يظهر، مثلاً وليس حصرًا، في تجربة المقاومة في لبنان وغزّة. وعلى الرغم من أنّ السيطرة على الأقصى في قلب مشروع التهويد الذي يستهدف القدس والاحتلال لن يوقف مساعيه في هذا الإطار على أيّ حال، إلا أنّه لا يمكن فصل التّصعيد الذي يتعرّض له الأقصى عن هبّة باب الأسباط وما أدّت إليه من إخلال في حسابات الاحتلال، ما يمكن أن يفسّر هذا التّصعيد، في أحد اعتباراته، بحاجة الاحتلال إلى إعادة إثبات سطوته على الأقصى وسيادته على المكان، والتحّكم بمداخله ومخارجه، وباحاته ومصلّياته، وروّاده وأهليه.

أدى الآلاف من المقدسيين وعرب الداخل المُحتل صلاة الجمعة في المناطق القريبة من المسجد الأقصى في باب العامود وشارع صلاح الدين ووادي الجوز، وانطلقت مواجهات مع قوات الاحتلال الصهيوني في مختلف مناطق الضفة الغربية، كان أعنفها في مخيم الدهيشة في بيت لحم، حيث استشهد شاب فلسطيني خلال المواجهات. وأعلن رئيس الوزراء الصهيوني أعقاب ذلك عن نية الحكومة الصهيونية إعادة فتح المسجد الأقصى يوم الأحد، ولكن بعد تركيب بوابات إلكترونية عليها، وبعد الإعلان مباشرةً، اندلعت مواجهات بين المواطنين وقوات الاحتلال الصهيوني بعد محاولتهم دخول الأقصى عنوةً.

بحلول ظهر يوم 16/7/2017 بدأت ملامح الاعتصام شبه المُنظم تتشكل في القدس، وفي باب الأسباط تحديداً بعد بدء صلاة الظهر هناك، وإعلان عدد من النساء المقدسيات، من ضمنهم نساء “القائمة الذهبية” عن الاعتصام في باب الأسباط حتى فتح كافة بوابات المسجد الأقصى. ورافق ذلك توأمة هذا الاعتصام مع موقف المرجعيات الدينية وموظفي الأوقاف الإسلامية في القدس؛ إذ أعلن الشيخ عمر الكسواني مدير المسجد الأقصى، وواصف البكري قاضي قضاة القدس، رفضهم للدخول للمسجد الأقصى تحت الشروط الصهيونية ومع وجود البوابات الإلكترونية.

بدأ الاعتصام عند باب الأسباط، بنكهة فلسطينيةٍ مقدسيةٍ، حيث مارس الفلسطينيون خلال الـ 14 يوماً التي امتد خلالها الاعتصام أشكالاً متنوعة من ممارسة الحياة، بهدف كسر الإجراءات الصهيونية المتشنجة، تنوعت تلك الأنشطة بين إقامة الصلوات وتناول وجبات الطعام، وبدأت أشكال التكافل الاجتماعي بالظهور، فطوال أيام الهبة أعدّت النساء القاطنات في البلدة القديمة الطعام للمرابطين والمعتصمين في باب الأسباط، وتواجدت النسوة الكبار وطالبات الجامعات في مختلف أماكن الاعتصام مثل ساحة الغزالي وباب المجلس، ولم ينحصر التواجد في الاعتصام على المتدينين فقط فقد شاركت مختلف فئات المجتمع في الاعتصام في تكامل اجتماعي وتلاحم فريد، وشارك في هذا الاعتصام كما هو الحال مع اعتصام ميدان التحرير سنة 2011 المتضامنين الأوروبيون، الذين شاركوا في مختلف تفاصيل الهبة من صلاة وتناول لوجبات الطعام. وعلى الصعيد الميداني لهبة باب الأسباط، شهدت مدينة القدس التي كان لها نصيب الأسد خلال يوميات المواجهة في الهبة، تسجيل 199 نقطة مواجهة، أصيب خلالها 41 من قوات الاحتلال الصهيوني،

كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور عملية التعبئة خلال الهبة إذ استخدمت مرابطات المسجد الأقصى تلك الوسائل لتشجيع الفلسطينيين للنزول للاعتصام، وبحسب المرابطة هنادي الحلواني كان التفاعل الافتراضي مع ما تبثه من ساحات الاعتصام في باب السلسلة وباب الأسباط يصل إلى الملايين، فبرزت وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة نضالية متجددة، كان حضورها الأبرز خلال انتفاضة سنة 2015.

يوميات الهبة:

14 يوليو/ تموز 2017
عملية إطلاقِ نارٍ نفّذها 3 شبان، يحملون جميعاً اسم “محمد جبارين”، باتجاه نقطةٍ لشرطة الاحتلال عند باب حطة أحد أبواب الأقصى، ومقتل جنديين، والاحتلال يغلق المسجد ليومين.
16 يوليو/ تموز 2017
سمح الاحتلالُ بالدخول إلى المسجد، ولكن: أعلن عن كاميرات مراقبة جديدة في محيطه، ونَصَبَ بوابات تفتيشٍ إلكترونيّة على مداخله يُشترط المرور من خلالها للصلاة في الأقصى.

رفض المقدسيون دخول مسجدهم تحت شرط التفتيش واعتبروه خطوةً نحو تهويده والسيطرة عليه كليّاً، فاعتصموا على بواباته، وخاصة باب الأسباط، وتحمّلوا كل أصناف القمع الإسرائيلي.
27 يوليو/ تموز 2017
بعد 11 يوماً من المواجهة، رضخ الاحتلالُ لإرادة المقدسيين، وفكّك بواباته الإلكترونية وكاميراته، فدخل الناس الأقصى في مشهدٍ مهيب أبكى الكثيرين فرحاً بالنصر وشوقاً لمسجدهم.

المراجع:

المصادر:

  • المصدر رقم واحد – تفاصيل عنه
  • المصدر رقم اثنين – تفاصيل عنه